النهاية المباغتة تكون بالموت:«أسعد الوراق» و«باب الحارة» مثالاً

وسيم ابراهيم – السفير يجد مشاهد الحلقات الأخيرة لبعض مسلسلات الدراما السورية نفسه كمن يسقط في مجاهل مكان غريب، اكتشفه للتو. فمن اعمال فيها ناس مثلنا، ويحكون لغتنا. لكن لسبب ما، لا نجد شيئا آخر يربطنا بهم. بمعنى آخر، لا نعنيهم. والمفروض أن سبب وجودهم إقناعنا بأننا نعنيهم، وأن حياتهم، على الأقل، تسلّك كما البشر. فلنفترض أنه مشاهد. لم ير لا التمهيد ولا المقدمات، بل وقع أمام نهايات. وهي حال مربكة بالفعل، لأن معظم الناس قاب قوسين أو أدنى من الموت. لا تعرف لماذا لكنهم يذهبون بوضوح تام الى الموت. يريدون أن يموتوا، وهم مصممون على ذلك. تتذكّر أنها الحلقات الاخيرة، وهذا ربما يشرح لماذا هم يموتون. لكن لا شيء يشرح لماذا هم مصممون على ذلك. على ما يبدو هي نهاية درامية أثيرة، لكن القصد من الدراما أن تجعل الموت فكرة مباغتة. الموت الدرامي، على الأقل، ليس تلقائيا، وإن حدث بقصد سيمكنه من المفاجأة وإثارة الأسئلة. هذا حديث طويل، والمهم الآن هو الحلقات الأخيرة. بصراحة هذه ليست دراما. كدت أختنق وأنا أرى أداء أيمن رضا، وهو يرافق «أسعد الوراق»، الذي لعب دوره تيم حسن، وعلى أساس أنه يحمّله جميلا. يأخذه ليرى ابنه وزوجته، وهو لا يستطيع ذلك، أو أنه صعب جدا. لم تبد لي معرفة ما سبق وحصل ذات أهمية. فالمشاهد الآن أمام ممثلين، ويعرف ماذا يفعلان، ويفترض أن يقنعاه. هذا عملهما. أوصل أيمن رضا «أسعد الوراق» الى بيته، وكان في ذلك خطورة. لا يبدو الطريق خطرا، لكنهم هكذا يقولون في الحوار. الرجلان ملثّمان، لكن الحارة الشامية التي يشقّانها، ولو أظهرا التسلل، هادئة، وبالكاد ترى أحدا يمر. يصيران خلف باب البيت الفارغ، ويصير الدرك يهددونهما بالاقتحام. ويحاول أيمن رضا اقناع الورّاق بأن لا فائدة، والافضل الهروب. لكن الآخر يستمهله. لا فائدة، فلا زوجته ولا ابنه يلوحان في أفق زمن هذه الدراما الغريبة، لكنه مصرّ. والكارثة أن من معه يقتنع بموقفه، بدون أن يقنعنا بما الذي أقنعه. يصير اطلاق نار، ويأتي شخص آخر يريد أن يخلّص الاثنين، يهبط بخفّة «النينجا». يتركان الوراق لمصيره. يقولان له انه رجل شهم وما شابه، لأنه يفديهما! وتقفز بالطبع بعض الدموع. والورّاق رجل بدا ساذجا بالفعل. يلوّح بهوجة بمسدس من الباب، ويعرف أن مسلحين في الخارج، وهم يمطرونه بالطبع. الرجل يلفظ أنفاسه، لكنه يرى، يا لعدالة السماء، ولده وزوجته. ويا للمفجأة، فقد مات بعد ذلك! بذل تيم حسن جهودا فظيعة، كي يفعل شيئا في «أسعد الوراق». أن يجعل غموض الدافع، ومن خلفه الشخصية، يخرج من ملامح تهذي. لكن لا فائدة، وهذا مفهوم. فالمخرجة والكاتب يرميان البطل الى مصيره المحتوم في الحلقة الاخيرة. يخيّل إلي أنه يوم عطلة للمخرجة، عندما صوّرت المشاهد. وربما للكاتب قبل ذلك. يقولان للبطل: عملت ما يكفي من الدراما، الله يعطيك العافية، والآن وصلنا يا عزيزي الى الحلقة الاخيرة، وعليك أن تموت. لا نعرف كيف، قد لا تتوفر عناصر درامية كافية لذلك، لكن عليك أن تدبّر رأسك وتموت. في مسلسل «باب الحارة»، وصار من المخجل الحديث عنه من غزارة السهام، لكنه مثال آخر، كان على أحد أن يموت. هذه المرّة كان عميلا للفرنسيين. والدراما هنا ساذجة لدرجة لا تطاق. فقد كانوا ينصبون له كمينا، ويتقصّدون الحرص على الهدوء، كي لا يشعر الأعداء. لكنّهم، مع ذلك، أقاموا مهرجانا لقتله. والمضحك أنهم فاجؤونا. سمعنا اقتراحا أن الافضل شنقه، وتركه ليكون عبرة. وعلى مساوئ المتوقع، فما حصل كان أسوأ. كان واضحا أنهم يريدون مهرجانا وطنيا خطابيا، ولم يكن بامكانهم جعله أسفه مما فعلوا. الموت شنقا لا يفيد المهرجان هذا. رِجلٌ واحدة، تدفع كرسيا من تحت الرجلين، لا تمثّل الجماعة. الجماعة يجب أن تمثلها الجماعة، فردا فردا. والكل عليهم المشاركة في الاعدام. المسدسات أفضل، والكل فعلا، نساء ورجالا، يشارك. يلقي عبرته ويتبعها برصاصته. خردقوا العميل. النساء يزغردن، وضمير الجماعة ينطلق في مونولوج ملعلع، وحديث محشوّ عن الشام وعزها ورجالها وما شابه. المهم أن الرجل مات. وكزميله، بدا أن الممثل فايز قزق محاصر، فيما عليه تدبّر ميتة درامية للعميل الذي يلعبه. قد نشاهد مباراة على وشك الانتهاء، لكننا تتابعها. فريق خاسر بهدف أو اثنين، لكن هناك دائماً فرصة. ان يبقى دائماً مجال لهدف يحفظ ماء الوجه. فهناك لعب. لكن أمام ممثل دراما عزرائيل لا فرصة. سيكون مثيرا بالفعل لو صادفنا خبرا عن حصيلة ضحايا الدراما في الحلقات الأخيرة.











