2013/05/29

رفة عين.. المضحك المبكي
رفة عين.. المضحك المبكي


ليندا حمود – تشرين


كان مسلسل رفة عين موفقاً إلى حد كبير في طريقة تناوله لحياة المهمشين في المجتمع الذين لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا هكذا،..

وكل ذلك كان في قالب  قادنا في كثير من أحداثه إلى الضحك والبكاء في آن معاً، بفضل المسحة الساخرة التي صبغت أحداث العمل.

هذه الفكاهة التي تميز بها مسلسل رفة عين أبعدت العمل عن مشاهد القسوة والعنف والتي كانت ميزة لعدد من الأعمال الأخرى التي تناولت حياة الناس البسطاء والمغلوب على أمرهم، وهذا ما جعل من رفة عين وجبة خفيفة الظل على الجمهور والذي ربما قد مل من مشاهد العنف والقسوة في نشرات الأخبار على رأس كل ساعة.

وكثيراً ما انطبق المثل القائل (شر البلية ما يضحك) على أغلب أحداث المسلسل، مثلاً في المشاهد التي صورت حليمة (أم مهدي) لحظة إطلاق سراحها من السجن الذي سجنت فيه بتهمة قتل زوجها، فبمجرد خروجها من باب السجن إلى الحرية (الزفت) تعرضت لحادث سير أصبحت بعده امرأة مقعدة وعالة على ابنتها الصغيرة (هدية)  وابنها المتواكل (مهدي)، كما أن مشهد نهاية حياة «حليمة» كان من أكثر المشاهد المضحكة و المبكية في آن معاً في العمل، هذه النهاية المأسوية والتي كانت في فتحة للصرف الصحي، بعد حياة مليئة بالعذابات.

ربما يعود سر نجاح مسلسل رفة عين إلى (النص) المتميز والذي اعتمد على هذه الحكاية الواقعية والشائقة والمقنعة في آن معاً،من تأليف الفنانة الشاملة أمل عرفة بالتعاون مع السيناريست بلال الشحادات ، أمل عرفة التي أتحفت الدراما السورية بعملين ناجحين قبل رفة عين وهما دنيا 1999 و مسلسل عشتار 2004.

حقق مسلسل رفة عين متعة للمشاهد في أغلب أحداثه فقد استمتعنا كثيراً بمسيرة حياة هدية والتي ولدت في السجن فلم يكن مستغرباً من هدية أن تتبع أسلوب الاحتيال والسرقة لتعيش، وهي التي تعلمت مهارات وفنون الحياة من السجينات.

واستمتعنا أكثر عندما تابعنا هدية (الرقاصة)، فقد كان لافتاً ومشوقاً متابعة (رقاصة) بريئة وعفوية ونظيفة من الداخل ومهضومة إلى أبعد الحدود ذكرتنا بالسندريلا سعاد حسني مع احتفاظ أمل  بهويتها الفنية وأسلوبها الخاص بها، وكعادتها الفنانة أمل عرفة أدت دورها باقتدار واتقان رغم التركيبة الخاصة والصعبة لشخصية هدية.

إن هدية التي كانت تسرق وتحتال على الناس إضافة إلى عملها في «الكابريه» لم تكن تريد من كل هذه الأعمال سوى توفير المال اللازم لإعالة والدتها المقعدة إضافة إلى إخراج أخيها مهدي (القمرجي) من السجن.

وكان لافتاً في هذا العمل شخصية نانا (الرقاصة) تلك (الرقاصة) النظيفة من الداخل والتي قد تبدو لمن يراها للوهلة الأولى مجرد (رقاصة) فارغة ومستسلمة للذات الحياة، إلا أننا نراها في العديد من أحداث المسلسل إنسانة طيبة القلب ووفية لرفيقتها حليمة تمد يد العون لها ولأولادها، وعندما اعتمرت نانا وتحجبت لمسنا عندها التمسك بجوهر الدين حيث بقيت تستقبل الرجال في بيتها من دون أن تخشى كلام الناس الذين لا يهمهم إلا المظاهر والقشور الخارجية وبررت ذلك بقولها: «إنها عندما تابت فهي تابت إلى الله وليس لهؤلاء الناس»، حيث ركز العمل على الجانب الإنساني لهذه الشخصية.

ولا نستطيع أن نغفل أبداً صورة التعايش الإنساني من خلال وجود عائلة مسيحية هي عائلة «أبو جورج و أم جورج»، تلك العائلة التي كانت السند والمعين لهدية وأسرتها

ففي مشهد التعزية بوفاة حليمة (أم مهدي) رأينا النسوة المسلمات يقرأن القرآن وبينهن «أم جورج» تصلي صلاتها المسيحية.

إن هذا المشهد ليس مشهداً فنياً فحسب بل هو مشهد حقيقي لطالما عشناه ونعيشه في سورية.

ولكن المتابع للعمل لابد من أنه لاحظ تركيز الكاميرا على لعبة هدية والتي صنعتها لها إحدى السجينات في السجن حيث خبأت فيها هدية مسروقاتها الثمينة مع ذلك لم تتم الإشارة أبداً إلى مصير هذه اللعبة والتي تحتوي على كنز، رغم اضطرار هدية في العديد من المشاهد إلى المال؟

باختصار.. لقد حقق مسلسل رفة عين التكامل إلى حد ما في كل من (النص وأداء الممثلين والإخراج) حيث وجدنا أن كل شخصيات المسلسل كانت تؤدي دورها الحقيقي في بطولة جماعية مادامت تميزت بها الدراما السورية وشكلت سبباً من أسباب تألقها، فقد كان الكل متناغماً وبطلاً في دوره والكل تقمص دوره بحرفية وفنية عالية وكل ذلك كان تحت إدارة المخرج المتميز المثنى صبح  والذي كان موفقاً جداً في استخدامه للكاميرا العالية بكثرة في العمل ولاسيما في تصويره للشخصيات المهمشة و الفقيرة في المجتمع، منها مثلاً مشاهد هدية وهي تجر أمها المقعدة في شوارع دمشق، لاحظنا تأثير تلك اللقطات التي أخذت من أمكنة عالية حيث بدت هدية وأمها كنملتين تزحفان في شوارع هذه المدينة الكبيرة..وهو ما يعزز الإحساس بمدى هامشية هذه الشخصيات.

يذكر أن المثنى صبح أخرج عدداً من المسلسلات وهي ( مشاريع صغيرة_ ليس سراباً_  الدوامة_ القعقاع بن عمرو التميمي_ جلسات نسائية)، و حصل على جائزة أفضل مخرج في العديد من المهرجانات عن عدد من أعماله بجدارة.