2013/07/15

مجلس وطني للإعلام في سوريا: حماسة وسوء فهم
مجلس وطني للإعلام في سوريا: حماسة وسوء فهم

 

نور ابو فراج – السفير

 

حصد المرسوم الرئاسي الرقم 199 للعام (2013) القاضي بتشكيل «المجلس الوطني للإعلام» في سوريا، وتسمية أعضائه التسعة، اهتماماً خاصاً في أوساط المتابعين للشأن الإعلامي السوري. ومنذ صدور المرسوم قبل شهر تقريباً، شغل المواقع الإلكترونية بالبحث في التاريخ الشخصي والمهني للأعضاء.

مجلس الشيوخ الوطني للإعلام

يحقّق أعضاء المجلس التسعة الشروط التي وضعها قانون الإعلام الجديد. وتقتضي الشروط حصول الأعضاء على شهادة جامعية، وتمتّعهم بخبرة لا تقل عن 15 عاماً في مجال الاختصاص وغيرها... لتكون صفتا «العتيق والرسمي» القاسم المشترك بين الأعضاء جميعاً.

رئيس المجلس محمد رزوق مثلاً، تدرّج في عدّة مناصب إداريّة، أهمّها تعيينه معاوناً لوزير الإعلام السوري، ومديراً عاماً لـ«المؤسسة العربية للإعلان». نائب الرئيس فؤاد عبد المجيد البلاط، كان مديراً عاماً للإذاعة والتلفزيون ومستشاراً للوزير. وقوبل تعيين ماريا ديب المعروفة بأم عمّار، موجة من التهكّم. فالبصمة الوحيدة التي خلّفتها ديب في مسيرة الإعلام السوري، كانت برنامج الأغاني الشهير «ما يطلبه الجمهور» الذي عرض لسنوات. السيرة الذاتية لأم عمار، تؤكّد أنّها بعد اعتزالها العمل كمذيعة، أكملت دراستها الأكاديمية واستلمت مهمات إدارية في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون. لكنّ ذلك لم يسكت موجة السخرية التي حوّرت اسم المجلس إلى «ما يطلبه الصحافيون».

كما نال تعيين فؤاد شربجي استنكاراً مماثلاً، باعتباره شغل كإعلامي سوري «معروف»، منصب مدير التلفزيون السوري، وكل من قناتي «الدنيا»، و«الإخبارية السورية»، ما جعل الكثيرين يرون أن مصير المجلس مقروء من عنوانه.

الإصلاح يبدأ من هنا

يعتبر قانون الإعلام الجديد الصادر العام 2011، بفصله الرابع تحديداً، الوثيقة القانونية الأولى في سوريا التي تقول باستحداث «المجلس الوطني للإعلام»، وتحديد شروط اختيار أعضائه أو سحب العضوية وكل ما يتعلق بمهامه وجهازه التنفيذي ومصادر تمويله. حدّد القانون 15 مهمة أو صلاحية للمجلس، يقع بعضها ضمن نطاق «المهمات الإجرائية»، كدراسة طلبات التراخيص للوسائل الإعلامية، وتحديد بدلاتها وأجورها، والإشراف على وثائق إثبات الهوية للصحافيين. في حين تبدو بعض المهام الأخرى مستحيلة بصيغها الفضفاضة، إذ إنّها تُغيّب ذكر السلطات والأدوات التي تجعل تحقيق بعض تلك المهام ممكناً. فكيف للمجلس مثلاً أن يعمل على حماية حرية الإعلام وحرية التعبير؟

التقرير السنوي: مهمة جديدة وخاصة

حرّكت مهمة المجلس في «إعداد ونشر تقرير سنوي عن واقع قطّاع الإعلام السوري» التساؤلات. فلم يسبق أن كان هناك نوع من الرصد الشامل لقطاع الإعلام في سوريا، بشقيه العام والخاص، ناهيك عن غياب أيّ نوع من التقييم لأداء الإعلام الرسمي. لهذا، شكّل التقرير السنوي الأوّل للمجلس، والصادر بتاريخ 3 حزيران الماضي، مفاجأة حقيقية لمن انتظروا قراءة تقرير مملّ وبيروقراطي، يمجّد الإعلام الرسمي.

انطلق التقرير من اعتبار قانون الإعلام الجديد «حالة إصلاحية بامتياز»، شكّلت أساساً «لنجاح الإعلام في تجسيد الرؤية الوطنية، وإيصالها إلى الرأي العام، وتحويلها إلى وعي شعبي مُحرّك وفاعل. إلا أنّه ذهب بعيداً في نقد الأداء الإعلامي معتبراً أن «حماسة» العاملين في «الإعلام الوطني»، لم يواكبها أداء مهني «مناسب». اعتمد المجلس في تقريره على لقاءات وورش عمل مع عدد كبير من العاملين في القطاع، وينسب التقرير إليهم الاعتراف بحدوث «إرباك في بداية الأزمة تولّد عنه شطحات وتجاوزات».

وفي ما يتعلّق بالإعلام المرئي، اعتبر التقرير أنّ قرار «الجامعة العربيّة»، «الظالم وغير المنطقي» بحجب القنوات السورية عن قمري «عربسات» و«نايل سات»، كان المشكلة الأكبر التي واجهت الإعلام المرئي. وتضمّن فصل «الإعلام المرئي والأزمة» إفادة لبعض المدراء والعاملين في الإعلام، بأنّهم كانوا يعملون دون سياسات إعلامية مهنية أو فكرية محددة، ويتلقّون توجيهات متناقضة، وأن انشغال الإعلام الرسمي كان يقوم بردود فعل «غريزيّة». كما أشار التقرير إلى أنّ النشرة الإخبارية تحولت إلى «تعليق سياسي». وأكّد التقرير أنّ أكبر «مصيبة»، عانى منها التلفزيون السوري كانت عدم «احترامه المتلقّي سواء في الحالات الإنسانية أو طرح الرأي الفج البعيد عن الواقع».

سوء تفاهم

في حين يحاول الناطقون الرسميون ووسائل الإعلام الترويج لـ«المجلس الوطني للإعلام»، باعتباره الجهة التي تنظم عمل قطاع الإعلام السوري برمته، إلا أن هذا الكلام يبدو شديد الطوباوية، ولا يعكس طبيعة العلاقة بين الوزارة والمجلس. ذكر التقرير السنوي في أكثر من موضع تفاصيل تشي بنوع من «تعارض المصالح» بينه وبين الوزارة، منها إعداده خطة فكرية سياسية، وحملة إعلامية للانتخابات التشريعية، لم يأخذ بها وزير الإعلام. في حين لم تلق اقتراحات المجلس حول معالجة أوضاع الإذاعات الخاصة وتأجيل ديونها، أو المطالبة باستقلالية قناة «الإخبارية» عن الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، أي استجابة.

بالرغم من أن التقرير السنوي للمجلس أعطى بعض المؤشرات الإيجابية، لكن هيمنة وزارة الإعلام على عمله، وغياب الآليات التي تمكّنه من فرض ما يجب فرضه، واستمرار الإعلام الرسمي بذات النهج في التعاطي مع كل ما يتعلق بالحدث السوري، واختيار جميع أعضاء المجلس من لون ذلك... كلّ ذلك يطرح مخاوف حقيقية من ألا يمتلك المجلـــــس أية شخصية اعتبــــارية، بحـــيث يكون تتمة لسياسة «تلميع» ما تلف وبهت.

.