الدوبلاج.. نجومية الأصوات السورية حصدها الفنانون الأتراك

آلاء عامر - بلدنا
**بعض أسرار المهنة..
«**الدوبلاج».. نجومية الصوت التي أكسبت الفنانين الأتراك شرعيّة التربع على شاشاتنا
سرعان ما تحوّل الدوبلاج إلى حرفة الفنانين السوريين، الذين برعوا في تلوين أصواتهم وتطويعها لتكسب الفنان التركي صدقية عالية، ما دفع الكثير من النقاد إلى الإشارة إلى أن المسلسل التركي ما كان لينجح في المجتمع العربي لولا الصوت السوري،
ففي رأيهم أنّ العديد من المدبلجين السوريين كانوا في الدوبلاج أكثر مقدرة على التمثيل من الفنان التركي في حد ذاته، بدليل أنّ الكثير من الفنانين الأتراك اعتدناهم بأصوات مدبلجين سوريين معينين، فقد ربط الجمهور بين الصوت والصورة إلى درجة التلاصق، ما أجبر المشرفين الفنيين على التقيّد ببعض القواعد المفروضة من قبل جمهور المسلسل التركي، والتي بالتأكيد نابعة من صدقية تعامل المدبلج السوري مع انفعالات وردات فعل الممثل التركي... فلاشك في أن الأخير يجدر به أن يشعر بكثير من الامتنان نحو الصوت الذي شرّع أمامه بوابة العبور نحو العالم العربي..
بعيداً عن المشاهد النهائية للأعمال التركية التي نتابعها على الشاشة، حاولنا البحث في كواليس الدوبلاج، لنتعرف إلى تفاصيل العمل في هذا الحقل، ونتأكد مما إذا كانت معادلة التعامل بين الفنان التركي والمدبلج السوري عادلة..
الشللية. الواسطة. الجدارة.. عوامل اختيار المدبلجين
ما الآلية التي يتم وفقها اختيار المدبلجين؟
سؤال طرحناه، فاختلفت الإجابة عنه، حيث يجد المدبلج تمام عجمية أنّ للعلاقات ثقلاً كبيراً في هذا الشأن، فالشللية في الوسط تؤدي دورها حتى في الدوبلاج، كما تُعطى الأولولية للفنانين المختصين في الدوبلاج؛ أي الذين لايعملون كثيراً في التلفزيون كونهم متفرغين أكثر.. ويضيف عجمية: لكن يبقى للمهنية أهميّتها في اتخاذ القرار، فمهما كانت الواسطة مهمّة لن يستطيع الشخص غير الموهوب إكمال مشوار الدوبلاج الصعب والممتع في الوقت نفسه.. وتفصح فنانة الدوبلاج سوزان سكاف عن بعض تفاصيل آلية الاختيار: المدبلج يخضع أولاً لاختبار من قبل المشرف الفني، لكنه، بعد ذلك، يحتاج إلى موافقة المحطة المنتجة.. وتضيف سكاف: للمحطات المنتجة، في أغلب الأحيان، الأحقية في الموافقة على المدبلج أو استبعاده.
وتشير سكاف إلى عدم دخول الواسطة في عملية اختيار المدبلج، التي، حسب رأيها، ترتبط بعلاقات وشهرة المدبلج أكثر من واسطته، كما تؤخذ المهنية في الاعتبار عند توزيع الأدوار، فليس من الضرورة أن يأخذ المدبلج النجم بطولة المسلسل.. المسألة مرتبطة بمطابقة الصوت شكلَ الممثل التركي..
ويختلف رأي المدبلجين حول أهمية الثقل الذي تمارسه المحطات المنتجة في اختيار المدبلجين، فهي في رأي الفنان عاصم حواط ونضال درويش المنتج في شركة ants media group، والمشرف الفني على أعمال الدوبلاج لا تمارس هذا الحق إلا في دائرة ضيّقة يحكمها معيار النجومية.. يقول حواط: المشرف الفني يختار المدبلج المناسب للصوت، ويتابع العمل معه، والمحطة المنتجة لا تتدخل في اختيار المدبلج إلا في حالات معينة؛ أي عندما ينجّم الممثل التركي، ويحبه الجمهور بصوت مدبلج معين، لذلك يرتبط تدخل المحطة بنجومية الممثل التركي في الدرجة الأولى؛ لأنه حتى الآن مازال العمل يباع على اسم البطل التركي الذي اشتهر بالصوت السوري.. ويتابع حواط، معطياً أمثلة: عندما نجّم «مهند» بصوت مكسيم خليل في مسلسل «نور»، ثم اعتزل الدوبلاج، لم تشترط المحطة في العمل الثاني أن يدبلج مكسيم، مراعيةً اعتزال مكسيم خليل، خاصة أنّ شركة الإنتاج تمكنت من تجاوز المشكلة، وجلبت صوتاً مناسباً يشبه إلى حدّ كبير صوت مكسيم خليل. أما في حالة النجم التركي الملقب بأسمر، والذي دبلجت أنا صوته، فنجد أن الشركة المنتجة واجهت صعوبة كبيرة عندما رفعت أجري، وأرادت الاستعانة بصوت بديل لي، رافضة أن تدفع لي الأجر الجديد، غير أنّ الشركة تحت ضغط المحطة اضطرّت في نهاية المطاف إلى دفع الأجر الذي حددته.
ويشير حواط: تدخل الشللية في فرص الدوبلاج، فلكلّ شركة إنتاج شلة من المدبلجين الذين تتعامل معهم، لكنها ليست القاعدة.
ويوافق المنتج نضال درويش على رأي حواط في اختيار المشرفين: المشرف الفني هو صاحب القرار أولاً وأخيراً، إلا في بعض الحالات التي تكون فيها البطولة المطلقة لممثل معين، وهنا تختار المحطة النجوم بنفسها.. أما اختيار المسلسل، فهو يخضع لعدد من الشروط، أهمها أن تكون مناسبة للجمهور المستهدف، وأيضاً نجومية أبطالها. ويضيف درويش: ينقسم المدبلجون إلى صف أول وثانٍ وثالث، وبعضهم حقق نجومية بعد أن أمضى في حقل الدوبلاج سنوات طويلة، ولهذه المسألة تأثير في تحديد الأدوار، فخريجو معهد التمثيل الجدد يدخلون مجال الدوبلاج بمشاهد متفرقة وصغيرة.. وفي هذا الإطار، تشير المشرفة الفنية على المدبلجين، فاطمة سعد: إلى أنّ ملاءمة الصوت للشخصية، بالرغم من وجود نجوم مدبلجين على مستوى الوطن العربي، تعطى الأولولية في اختيار المدبلج.. وتضيف: من الملاحظ أن المدبلجين السوريين يتطورون باستمرار، وتحسُّنُ أدائهم يمكن التماسه في كلّ عمل يقدمونه.
للأجور قواعدها**..**
يتراوح متوسط الأجور المتعارف عليها في الدوبلاج بين 150-300 ليرة للمشهد الواحد، وتشير سوزان سكاف إلى أنّ المشهد يُحدّد باللوكيشن الواحد، فقد يطول المشهد ليمتدّ إلى ثلاث صفحات، أو يقتصر على جملة.. أمّا الأجر الدقيق الذي سيحصل عليه المدبلج، فهو حسب عاصم حواط يخضع لعدة مفاوضات وحسابات بين المدبلج والشركة المنتجة، وهي مفاوضات تشبه تلك التي تحدث بين المنتج والممثل في الدراما.. والأجر الدقيق يكون وفق سكاف حسب الأقدمية ونجومية المدبلج.. ويشير المشرف درويش إلى أنّ تحديد الأجر يخضع للكثير من المفاصلات والأخذ والرد، لكنه غالباً يتراوح بين 150-300 ليرة على المشهد.
لكن تحديد الأجور يخضع وفق عجمية لمزاجية الشركة وتحكّمها في فرص العمل: تُحدد كلّ شركة الأجور على مزاجها، وهي تختلف بين نجوم الصف الأول والفنانين المبتدئين.. كما أنّ شركات الإنتاج استغلت أزمة الدراما، وقلة الأعمال وأصبحت تتحكم في الأجور حسب مصالحها.. فالمدبلج مضطر إلى العمل وفرص التمثيل نادرة..
ويتابع عجمية: تحديد الأجر حسب النجومية تحديدٌ ليس فيه ظلم للمدبلج، لأنّ النجم من الصف الأول يباع العمل لوجود اسمه أحياناً، كما حدث مع مكسيم خليل في مسلسل نور..
وتؤكد المشرفة الفنية سعد أنّ المشرف لا يتدخل في مسألة تحديد الأجور التي تختلف بين المدبلج النجم والمدبلج الجديد، فتحديد الأجور حسب سعد يكون من مهمة المحطة أو الشركة المنتجة. وتمتد مسألة أجور المدبلجين لتصل إلى الإعلانات، وذلك بعد أن بدأت المحطات التلفزيونية الاستعانة بالممثلين الأتراك للترويج لبعض السلع والمنتجات، وكان من الضروري، في بعض الأحيان، جلب المدبلج نفسه الذي قدم الصوت في المسلسل، وهنا ينتفي العدل في مقارنة الأجور بين الممثل التركي والمدبلج السوري، ويشرح الفنان عاصم حواط ذلك، ذاكراً ما حدث معه: عندما بدأت بعض المحطات التسويق للمنتجات من خلال الممثلين الأتراك، اضطروا إلى الاستعانة بالمدبلجين، وبينما دُفع لمكسيم خليل الأجر العالي الذي حدّده عندما شارك في إعلان كان من بطولة مهند، رفضت المحطة أن تدفع لي ربع الأجر الذي طلبه الفنان التركي أسمر، كما لم يتمكنوا من جلب مدبلج بديل لي، فألغوا الإعلان بأكمله، وهو ما أزعج «أسمر»، الذي اتهمني بالطمع، متناسياً الأجر العالي جداً الذي طلبه!!
هل يلتهم الدوبلاج فرص الدراما؟
يدافع العديد من الفنانين والمنتجين عن الدوبلاج بحجة أنّه باب رزق للكثيرين ممّن لم تستقبلهم لوكيشنات التصوير في الدراما السورية.. وعلى الرغم من أن عجمية أشار إلى أن بعض الشركات تفضل المدبلج الذي لا يعمل في الدراما، كونه أكثر تفرغاً، يفصل الفنان حواط بين الفنين، قائلاً: الدوبلاج فن مستقل بنفسه، لا أعتقد أنه ينافس الدراما، كما أن المدبلج قادر على التمثيل والدبلجة في الوقت نفسه، كون الدوبلاج سريع الإنجاز، فأنا، على سبيل المثال، أشارك هذا العام في ثلاثة مسلسلات سورية، ودوبلاج ستة أعمال تركية..
وكذلك تفصل سوزان سكاف بين الدراما والدوبلاج: الهجوم من الدراميين على المدبلجين، بحجة أن شركات الإنتاج صارت تولي الأعمال المدبلجة أهمية أكبر، غير مبرّر لأنّ الدوبلاج فنّ منفصل عن الدراما، وهو لا يسرق من الممثل فرصه، لأنّ الشركة الراغبة في إنتاج مسلسل لن تغير رأيها إلى الدوبلاج والعكس صحيح..
صعوبات الدوبلاج
من صعوبات العمل في حقل الدوبلاج حسب عجمية الدوبلاج الفردي؛ أي أن تتم دبلجة كلّ شخصية على حده، في حين أن المشهد المصور يجمع عدداً من الفنانين، بالإضافة إلى صعوبة تحديد الأجور وتنسيق المواعيد، فالمدبلج غير النجم يضطر إلى الخضوع في تحديد المواعيد لمزاجية المشرف، وفي حال رفض ذلك يتمّ استبداله فوراً، وهو ما تنفيه المشرفة سعد، مشيرة إلى أن المشرفين يراعون أوقات المدبلجين: المدبلج يعمل لمدة لا تزيد على ثلاث ساعات يومياً، ولا أعتقد أنّه وقت طويل يعيق العمل في مجال آخر، كما أن المشرفين يأخذون في الاعتبار أنّ المدبلج قد يمثل في الوقت ذاته، ما يجعل وقته ضيقاً.
ويشير حواط إلى الصعوبات المهنية للدوبلاج: الممثل المدبلج يجب أن تكون لديه خبرة واسعة في فنون الصوت، وأن يمتلك تكنيكات المهنة، وأن يكون قادراً على فصل حواسه، وهو مطالب بسرعة الإنجاز وبالتركيز في الوقت ذاته.













