من «أم كامل» إلى سامية الجزائري: كيف انتزعت المرأة مكانتها في الكوميديا السورية؟

بعد أشهر قليلة من جلاء القوات الفرنسية عن سوريا، وفي لحظة أنهكت فيها الكوليرا أهالي دمشق، وجد رئيس الوزراء جميل مردم بك نفسه أمام معركة من نوع آخر؛ معركة وعي لا تقل شراسة عن الوباء. من هنا، وُلدت فكرة غير تقليدية، إذ طلب مردم بك من الفنانين عملاً يوعّي الناس بكيفية التعامل مع الوباء، فكان البرنامج الإذاعي الذي حمل اسم "إصابة مشتبهة". ومن خلف الأثير، انطلقت نبرة دافئة لامرأة دمشقية بسيطة تُدعى "أم كامل"، توزع النصائح التوعوية بخلطة فريدة من خفة الدم وحرص الأمهات.
لكن الصدمة التي لا تزال تدهش الكثيرين حتى اليوم، وتكشف حجم المفارقة التي كان يعيشها المجتمع السوري، هي أن "أم كامل" لم تكن سوى الفنان السوري الراحل "أنور البابا" الذي بقي عقوداً لا يقدم سوى هذه الشخصية، بعد أن حفرت مكانتها في قلوب الجمهور السوري، وحجزت لنفسها مساحة دائمة على شاشات التلفزيون السوري.
فطوم حيص بيص وبداية الكوميديا النسائية

قصة أم كامل وأنور البابا، على طرافتها، لم تكن مجرد خيار فني، بل انعكاساً للشح الشديد في أعداد النساء اللواتي تجرأن أو أُتيحت لهن فرصة صعود الخشبة أو الوقوف أمام الميكروفون في تلك الفترة المبكرة. ومن هنا، أخذ الرجال على عاتقهم اقتحام هذا الجدار السميك، مرتدين العباءة والمنديل الدمشقي، ليغطّوا هذا النقص، حتّى عام 1969 عندما أطلّت الفنانة الراحلة نجاح حفيظ في إحدى أشهر الشخصيات النسائية في تاريخ الكوميديا السورية، فطوم حيص بيص، التي رافقت الثنائي دريد لحام ونهاد قلعي لمواسم طويلة، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة بالكامل؛ مرحلة خرجت فيها المرأة السورية من كواليس الاحتياط لتجلس في صدارة المشهد الكوميدي.
مشاركات خجولة
ومع الانطلاقة الرسمية للتلفزيون السوري عام 1960، بدأت الأعمال السينمائية والدرامية بالتوالي، ورغم زخم هذه الأعمال وخصوصاً الأفلام ذات الإنتاج السوري المصري المشترك، إلا أن المشاركة النسائية بقيت خجولة في الكوميديا السورية، وربما اقتصرت على الفنانتين الراحلتين إنطوانيت نجيب وهالة شوكت، وكأن الموضوع لم يعد مرتبطاً برفض لوقوف المرأة أمام الكاميرا، بقدر ما كان موقفاً اجتماعياً وفنيّاً لم يتجرأ بعد على الإيمان بروح النكتة لدى المرأة، أو إعطاءها المساحة الكاملة لتكون صانعةً للضحك لا مجرد عنصر متلق له أو موضوع له.
الكوميديا السوداء في السبعينات
في عام 1976 اعتلت "غربة" خشبة المسرح وسط قريتها التي وُرثت منها الاسم والوجع. بجمالها اللافت وشخصيتها الصلبة التي صقلتها قسوة الحياة، ظهرت "غربة" التي أدت دورها الفنانة صباح الجزائري، وهي تساعد جدتها في أعمال اليوم الشاقة، وتسعى مع نساء القرية لرتق الفراغ الذي تركه الرجال إثر هجرتهم بحثاً عن الرزق وهرباً من الفقر.

هذه المسرحية التي اعتبرت من كلاسيكيات المسرح السوري، شكلت علامة فارقة في تاريخ الكوميديا السياسية والاجتماعية الساخرة، ومثّلت نقطة تحوّل لافتة في المشاركة النسائية التي تجاوزت الهامش إلى قلب الحدث، بتوقيع نخبة من الفنانات اللاتي حملن شجن الكوميديا السوداء ببراعة، وفي مقدمتهن: سامية الجزائري، هيفاء واصف، مها المصري، خديجة العبد، سلمى عبدينش، صباح خطاب، وليلى نصار.
مرايا والمشاركة النسائية
في عام 1982، أبصرت النور تجربةٌ استثنائية بتوقيع شيخ كار الكوميديا السورية هشام شربتجي؛ تجربةٌ حملت اسم "مرايا"، وحفرت مكانةً راسخة في ذاكرة الجمهور العربي. وعلى الرغم من ارتباط هذا المشروع باسم الفنان ياسر العظمة الذي قاد بطولته عبر عشرين موسماً أحدثُها عام 2013، إلا أن مرايا شكّلت النافذة الأوسع لإعادة تعريف الحضور النسائي في الكوميديا السورية؛ إذ نجحت نساء مرايا في خوض التجربة بجرأة لافتة، وشاركن العظمة ببراعة في حمل أوزان الكوميديا السوداء ونقل تفاصيل الحياة السورية بحلوها ومرها. ومن أبرز الأسماء التي شاركت في سلسلة مرايا خلال الثمانينات: فاديا خطاب، نادين خوري، هيفاء واصف، هالة شوكت، هالة حسني، مها المصري، وسامية الجزائري.
عيلة خمس نجوم
ليس عبثاً أن يجمع الجمهور السوري؛ مشاهدون وممثلون ونقاد، على إطلاق لقب سيدة الكوميديا السورية على الفنانة سامية الجزائري، التي أطلقت بأسلوبها البارع وفطرتها الكوميدية واحداً من الأعمال الذي حقق نجاحاً باهراً في التسعينات وجمع فنانين وفنانات أصبحن لاحقاً نجوم الصف الأول في الدراما السورية.
في عام 1994 انطلق عرض مسلسل عيلة خمس نجوم من إخراج الراحل هشام شربتجي وبطولة الجزائري إلى جانب نخبة من الفنانين السوريين، منهم: باسم ياخور، فارس الحلو، أندريه سكاف، أمانة والي، رياض شحرور، هدى شعراوي، عصام عبه جي، جرجس جبارة، سلافة عويشق، وغيرهم. وتتالت لاحقاً سلسلة النجاحات لهذا العمل بنسخه الأربعة: عيلة خمس نجوم، عيلة ست نجوم، عيلة سبع نجوم، وعيلة ثمان نجوم.

وفي قلب هذا النجاح، وقفت سامية الجزائري بشخصيتها أم أحمد (بوران)، لتصنع مدرستها الخاصة القائمة على التلقائية المطلقة، ولغة الجسد الساحرة، مفسحةً المجال في الوقت ذاته أمام طاقات نسائية صاعدة كأمل عرفة وشكران مرتجى للانطلاق نحو الفضاء الكوميدي بكل ثقة وجرأة.
ولم تقف الجزائري عند شخصية أم أحمد، ففي عام 1997 أطلت علينا أم محمود في يوميات جميل وهناء ترسم الابتسامة على وجوهنا وتعطينا جرعة ذهول تتجدد مع كل مشهد جديد تبرز فيه قدرات الجزائري على ابتکار الكوميديا من قلب التفاصيل اليومية البسيطة.
إرث الضحك الذي لا يزول
لم تكن رحلة المرأة في الكوميديا السورية مجرد صدفة عابرة أو مشاركة تكميلية، بل كانت معركة انتزاعٍ للمكانة واستحقاقاً جديراً بالثناء، نجحت فيها بتحويل قسوة الواقع والقيود الاجتماعية إلى مادة للضحك الذكي والناقد، فصنعت بدموعها وابتسامتها ذاكرةً جماعية لا تزال حية في وجدان الجمهور. وإذا كانت هذه المعركة قد بدأها رجل تخفّى بزي "أم كامل"، فقد أكملتها نساء تركن خلفهن مدارس قائمة بذاتها في البساطة والعفوية والقدرة على الابتسامة.










